K: sudden realizations

20130320-220853.jpg

أجلس لأكتب بضعة أسطر عن أول يوم لي في حملة التغيير التي يقودها الدكتور صلاح الراشد. لمدة شهر سيكون – في صالحي – أن أراقب أفكاري، انتقاداتي ، تذمُّري و شكواي وإسقاطاتي على الآخرين والظروف من حولي.

اليوم جاء جميلاً بحق. بدأته فجرًا. يخرج أبي للمسجد وهدوء الفجر يجعل صوت إغلاقه لباب المنزل الخشبي عاليًا. أحيانا يسبقني وأحيانا أخرى أسبقه بالاستيقاظ. شيء يضحكني أنني كلما نهضت صباحا تذكرت صوتي الذي يردد على صغار روضتي أذكار صباحهم .. شيءٌ كنت بصراحة أنساه حتى لحظة خروجي من المنزل! الأشياء الاعتيادية بعدها تكون تشغيل غلاية الماء وإعداد القهوة وسندويتش الفطور. والجلوس وأخذ ماي سوييت تايم في تناوله. عادي جداً ٤٠ دقيقة للفطور وأخذ صورة لمنظر الشروق والتسكع حتى يسألني أبي “تجهزتي خلاص؟” ههههه ف أسارع للعباية والطرحة والحقيبة السحرية التي تحمل أوراقاً و قصاصات وفلاش كاردز وتقارير للمدرسة وكتابا لباولو و دفترا كحيان لكنه الأحب لقلبي مؤخراً و دفترا آخر لخصت فيه بضع حلقات لبرنامج رسالة من الكون. في الحقيبة أيضاً علبة مياه ومناديل ومعقم وعلكة وطبعا شوكلاتة .. وأحيانا لا أصدِّق بأن بداخل حقيبتي موزة أو تفاحة هههههه ! يا الله منين جايبة البساطة هذي؟! جايز من الصغار؟ اني أبي أصير قدوة لهم؟ يجيبو موزة ولا عنب معاهم بدل العصير المليان سكر وغيره من الأكل اللي ما يفيد. جايز جداً لأنو الحمدلله بدا موضوع القدوة يمشي .. زكريا مثلا اليوم قبل الفسحة بساعة ونص يقول لي “أكلي في الفسحة اليوم فيه عنب” هههههه لايف إز إكستريملي جوود : )

وبصراحة تذمرت في يومي الأول. لاحظت تذمري فورًا وكان على خفيف. أخف كثيرًا من المعتاد. في أولى دقائقي منذ بدأ ساعات العمل تسألني زميلتي اللطيفه “واتس أب؟ يوو لووك هاپي توداي؟!” وأنا أضحك وأقول آم أووولوز هاپي ماي ديير ..

اليوم ؛ حدث موقف صغير وأنا مع زميلتين لي تسكنان في منطقتنا. كنا في حافلة عامة ننتظر أن يكتمل عدد الركاب لننطلق. وحدث أن كان ينتظر خارج الحافلة رجلان محتاجان. للمال. أحدهما صوته كان يدعو لله بدعوات سمعتها مسبقا – بما أن مشواري هذا تقريبا يوميّ – والرجل الآخر بالكاد سمعته يقول شيئا. مددت يدي إلى زميلتي الأقرب مني إلى الباب بأجرة الباص التي كانت معي قاصدة الرجل الذي يدعو الله كثيرًا ويكرر دعواته. تدرون ما فعلت زميلتي اللطيفه؟ قسَّمت المبلغ عليهما بالتساوي و نظرت إليّ وهي تقول “كذا أعدل!” ولأنه بقيت في يدها الورقة النقدية الثالثة .. قالت لهم بأن يتقاسموها فيما بينهم بالتساوي أيضاً! الرجل الذي كان يدعو الله كثيرًا قال للآخر الساكت “لكَ فيها ٢٥٠ شلن .. ادعو للبنات”!
يا الله .. جلست أفكر .. المبلغ ليس له قيمة تذكر حين يُقتسّم بين اثنين .. لكن فعلها هذا كان كافيا بإقناعي بأن “كذا أعدل”.

الدنيا بخير. الحمدلله.

I: sudden realizations

20130220-230059.jpg

Believe. Blindly

سأحاول أن أنتهي من هذه التدوينة خلال نصف ساعة، قبل أذان العصر هذا اليوم.

يحدث أن أجد نفسي أجلس في بلكونة المنزل الخلفية -المطلة على حيطه على فكرة ههههه – لكنها حين أتسلق سورها تطل على الحي من موقع أشاهد فيه منظرا جميلا لا يخيب ظني حين أحتاج مكانا هادئا بشكل خاص. من قبل لم أكن أعيي معنى أن يبهرك شيءٌ ما حد أن تشعر به موجودا لك لوحدك ..ليذكرك بشيء ما قد نسيته أو تجاهلته. من قبل كنت أعرف أن السماء جميلة والقمر جميل و الشروق و الغروب كلهم رائعون منذ كان الكون وكان الخلق. من قبل كنت ألتقط الصور وأحب محيطي لأنه جميل و يعني لي الشيء الكثير. الآن أجدني أأجل إلتقاط الصور و حرفيا أُفضّل أن ألتقطها بعينيّ أولا .. لي أولا ومن ثم لمن تنهمر عليهم صوري من أهلي وأحبابي. و أدري بأنني ربما أكثر من إلتقطت صورا في الصومال!

آه الصومال، البلد الذي أشعر بأنه من زجاج ويرمي بالحجارة ويُرمى بمثلها. أعيش بهرجيسا المدينة المجنونة ذات المتناقضات وأدري بأنها ككل مدن العالم مستحملة الكثير ههههه. أحاول الحديث عنها بحيادية والله .. فهي المدينة التي يوجد فيها أغلب الأهل وشهدت أحداثا لازالت نعيش آثارها. أحيانا أتساءل مالذي يعرفه العالم عن هذا الشطر من العالم؟! ثم أنتبه أن الأصح هو توجيه السؤال للجهة الأخرى: مالذي أعرفه أنا عن هذا الشطر من العالم؟!

بضع أشهر أمضيتها هنا جعلتني أقول لقريبتي قبل يومين أنني سأشتاق لهذه المدينة كثيرا. أنا الآن أفكّر بالأماكن التي عشتُ فيها سابقا وأكون كاذبة لو قلتُ بأنني أشتاقها. أحبها لكني لا أشتاقها. لو عدت لأرضٍ سابقة عرفتني يوما فلا أظنني سأتشبث بشيء فيها. لكن هرجيسا المجنونة التي تعرفني الآن كانت ولا تزال محطة رائعة في هذا العمر. عمر الزهور هههه

أعرف بأنني أعيش هنا البساطة بأوجهها المختلفة. أن أشياءًا اتضحت وأخرى اختفت من أمامي. أن انقطاعي عن العالم كان بإختياري. أن قرابة الـ 3 أشهر من دون الفيسبوك جعلتني أنظر في أرقام الأصدقاء وأتذكر أصواتهم. أنني أغلقت بابا بنفسي و رميت المفتاح بعيدا .. بنفسي. أعرف أن السماعة لا ترفع نفسها ولا تتصل عليك لتغلق الخط على نفسها.

أن على بعض الأشياء أن تتوقف.

يكبر ادراكي لمحيطي. متأكدة بأنني أعقل من السابق لأنني أستطيع التحدث بأشياء جديدة ما عرفتها سابقا. عندي قوائم طويلة خطي فيها سريع وصوتي فيها واضح، حنون وواثق. ما كنت أعرف أن شيئا ما كتبته سوف يجعلني أقوى كلما جلست وقرأته ثانية. أنني بتُّ أستمد قوتي من أفعالي أكثر من كلامي. أن فعلي سبق ردات فعلي. وأنا لله شاكرة.

مؤمنة بتفّرد تجاربنا التي تصقل شخصياتنا وأرواحنا. مؤمنة بأن ما تتذكره يعيش معك كـ إسمك. فلا تنساه. والخيار لي ولك.

منذ سنوات عشت الدراما التدوينية وكنت أكتب الحزن للحزن نفسه. أعيش فرحا وأطير طربا لكن وقت الحكايا أجلس لأكتب شيئا حزينا يظل حزينا حزييينا حتى بعد سنين. أتذكر جيدا ليلة كنت أناقش فيها الروح و سُئلت هذا السؤال: أيهما الأعمق .. الحزن أم الفرح؟! وأجبت واثقة بأن النقص دائما أعمق!!!

نقصان مين يا ماما!!

أعتذر بشدة للحروف التي كتبتها حين تبنيّتُ تلك النظرية.

تأمل في الظلام فما ترى؟ أنا رأيتُ خطئي فأخذته. ألبسته صوتي واعترفتُ بعذرٍ قد اختلقته. فبدا لي ألطف هيئة. والدنيا حلوة. حلوة أوي.

يحلو لي التفكير أحيانا فيها هكذا، أنني على جزيرة وحدي و لديّ كل الصلاحيات لفعل ما أشاء فيها وعليها أبني حياتي. لا مكان للـ لوم فيها ولا يوجد وقت يفوت. و ما لديّ الآن هو كل ما لدي. و هو كثير الحمدلله. ولو أنني أُكثر من إغماض عينيّ سأظل على بيّنة: أن كل الأمور عند الله متساوية، لا يوجد سهل وممكن وصعب ومستحيل أو معجزة. فـ كلها بقدرته متسواية.*

مالذي أحتاجه لأطمئن بعد؟

أن أتامّل في آيات الله من حولي. لن أُحصي نعم الله علي لكني أحصي كم منها التي وعيتُ بوجودها وتعمقت برسالتها في حياتي. الرحلة هذه مشوقة وتفوق ما تصورت. أرتّبُ نواياي كالدفاتر. ولو أطلّت فكرة مزعجة عليّ أن لا أحزن أو أستسلم أو أعيش دور الضحية. مامن ضحايا هنا مادمنا مُخيّرين والربُّ واحد.

.قبل أن أنسى هنا جمعت صورًا أخذتها  للصومال في الانستجرام

In Somalia: I am one of them

إذاً مرّ ٢١ يوماً على وصولي لأرض الوطن، للصومال؟! ياااه الأيام هذا العام ما أسرعها! كنت أعد الأيام منذ رؤيتي لأبي وأمي لآخر مرة منذ أكثر من عامين وأتشوق للصيف وبما يحمله لجميع أفراد عائلتي، والحمدلله أنني أتيتُ باكراً، عشتُ جميع تفاصيل الرحلة بحماس وهدوء لازماني حتى بعد أن تأجّل سفري لـ ليلة أخرى فـ أمضيتُ ليلةً في فندق مطار دبي. تسكعت طويلاً في السوق الحرة و طبعاً ابتعتُ الشوكولاته وبعض الكتب : )
أحاديث المسافرين و خدمة الإنترنت في المطار هونت شعور التعب/الوحدة علي، ثم بدأ الضحك على مسار الأمور حينما يتعلق الموضوع بي :$ شاكرة لله على نعمة الصديقات ولأفراد العائلة وحتى نعمة الهاتف وكل ما جعل أمر المبيت في المطار شأناً عادياً و شبيه نُزهة :$
منذ وصولي وأنا أتنفس هواء مدينة هرجيسا البارد نسبياً، أقف تحت المطر وأدعو الله بأمور صغيرة وكبيرة : ) أذهب وأمي للسوق و نعدُّ طعام الفطور والغداء سوية. أتمشى في فناء البيت وألتقط صوراً لعيون الأحبة والصديقات، توصيني جواهر بأن ألتقط صوراً تختلف عن تلك التي تراها في التلفاز عن الصومال وأتفهّم حقاً أتفهّم.. فـ أشياء جميلة تحصل ها هُنا، مثلاً باب البيت الذي يدقُ و تطلُّ منه وجوه أقاربي و صديقات أمي و بنات الأعمام والعمات و آخرون مضى على لقائنا أكثر من ١٢ عاماً!! أخجل وأضحكُ يا الله طويلاً حين تخبرني صديقة لأمي كيف رأت سيدة تتحدثُ الفرنسية فضحِكت أمامها دون سببٍ ظاهر لأنها تذكرت جنوني باللغة و تشدّقي بها في مراهقتي :$:$
يدقُ الباب و يفتحُ للجيران، في غضون أيام قليلة كنتُ قد تعرفتُ على كثير من الجارات وبناتهن، الجميع لطفاء بحكم الجيرة. يستعيرُ الجيران من بعضهم الماء/الملح/أدوات الطبخ و أميّز بساطةً تعم البلد وإن غَلَت الأسعارُ على الجميع. والحمدلله على كل حال حمداً كثيراً يا الله.
أعيشُ لحظات انبهار جميلة، وأضحكُ ملئ روحي على مفارقات و مواقف وحكاوي شقيقاتي ليلاً، أو حكاوي تحدثُ معي وأمامي. أتأملُ السماء المضيئة بـ نجوم كثيرة في مشهدٍ لطالما أحببتُ الجُزر والأماكن المقفرة لأجله… و ننامُ باكراً، من أجمل ما يُقدَّسُ هنا هو النوم مبكراً والنهوض قبل صلاة الفجر. المساجد القريبة تحيي الليل بالصلاة وتصلني تلاوة الإمام و برودة الهواء بالخارج من النوافذ المفتوحة.
إنجازاتي الصغيرة هذه الأيام تتمثل في النهوض باكراً وإعداد اللحوح للفطور، ثم قضاء وقت في التسكع في فناء المنزل وإعداد الغداء، وعصراً قراءة بضع صفحات من كتاب تَعِبَ مني وأود إنهاءه قبل رمضان. كأس الشاي الأخضر أمدحهُ لأمي فتقول بأنه بلا طعم ههههه، و نقاشات ظريفه مع عمة لي تخبرني بأنها منذ عشر سنوات لا تملك تلفازاً في بيتها كما أنوي مستقبلاً ؟! فأكتشفَ أن لجنوني تفسيرا.. ربما؟! تقول لي أنها تكتب!! فأبتسم طويلاً، فنحن نتشابه من حيثُ لا ندري!

أُرفقُ التدوينة بصور إلتقطتها بين دبي – بربرا – هرجيسا وبيتنا، وهناك المزيد بإذن الله في تدوينات أخرى : ) .