عن ابنتي سارة ومتلازمة داون

كنت بعمر المرحلة الثانوية أجلس وأصغر إخوتي مع أصدقاء العائلة الابنة الكبرى وأختها الصغرى التي لديها متلازمة داون وسألني أخي :مابالُ هذه الطفلة؟ فأجبتُ بسرعة بأنها مريضة. صححت أختها الكبرى – الممرضة – ما قلت وكانت أول مرة أسمع فيها اسم المتلازمة. لا أذكر مما قالته إلا “هي ليست مريضة”.

بضع سنوات للأمام في الجامعة كنت أستعد وصديقاتي المغتربات للعودة إلى أهالينا في الاجازة وكنا سنشتري الهدايا لهم ..حين سألتنا زميلة عن اقتراحات لأختها الصغيرة المقعدة. اقتراحي السريع غير الواعي والأهبل كان “حذاءً جديداً” لتستغرب هي مني ويخجلني سؤالها ” جزمة جديدة لبنت ما تمشي؟!”

ولم أنس أخطائي هذه أبداً أبداً.

تمر سنوات أخرى وها أنا ذا اليوم أكتب عن طفلتي واحتياجاتها الخاصة.


سارة هي التوأم الأصغر حجما ووزنا وأصغر عمرا من مُزن بدقيقة. لم أعلم خلال حملي بأي شيء مختلف فيها ودائما أقول الحمدلله أنني لم أعلم. لأنني كنتُ شخصا مختلفا حينها. فقد تغيرت بداخلي أولويات الأمور بعد وفاة  مُزن. أقول الحمدلله لأنني حين حملتُ مُزن بين ذراعي للمرة الأولى كانت قد توفيت منذ ساعتين ونصف. كان الأسوأ قد حصل. في اليوم التالي والحزن على وجهي وعلى وشك مغادرة عناية الخدج سألتني الممرضة اذا كنت قد حملت سارة بعد؟ أجبتها بلا. فقالت غدا ستكون أول مرة.

أول مرة .. كانت بعد أربعة عشر يوما منذ ولادتها. يا إلهي.

يسمونها رعاية الكنغر .. أسرع طريقة حميمة ولذيذة تشعرك والطفل بالنعاس هههه. أتذكر بأنني قلت لها أنني أحبها كثيرا كثيرا وأننا سنشتاق لأختها كثيرا كثيرا. سارة كانت أول من عزّيت. الأيام هذه كانت مهمة لأن أشكر الله على هذا الجسد الصغير الدافئ وأشعر بنبضات قلبها وجسدها الحساس.. كانت أي لمسة على جلدها تجعلها تنزعج وتتحرك في نومها. كانت تسبح في الماء بسلام والآن يزعجها هذا الهواء الجاف وضوضاء أجهزة الحضانة.


مرّ يومان ربما قبل أن تأتي إحدى الطبيبات إلي وتشير إلى أنهم يشكّون أن لديها متلازمة داون. وجه الطبيبة بدا مترقبا ردة فعلي فأخبرتها بأنني لاحظت بعض الأشياء واستبشرت حين قلت لها عن بعض ملاحظاتي التي قارنتها بنتائج البحث في جوجل. قالت نحتاج التأكد بعينة دم لفحص الجينات وبضع ابتسامات بيننا وذهبت. عدتُ لاحقا إلى البيت وأخبرت زوجي وأتذكر أنني قلت حرفيا:

“I don’t know what to feel.”

وأتذكر جيدا حين قال “حتى لو تطلع بطريق .. بنتنا ونحبها”.


حتى ظهرت نتيجة الفحص الجيني كان لدي أحد عشر يوما لأغيّر فكرتي عن متلازمة داون. وأثقف نفسي أيضا.

بحثتُ مطولاً عن الموضوع، وكمدونة فضّلت قراءة تفاصيل التفاصيل. المدونات الأجنبية لم تدع نقطة إلا وذكرتها. من خلال بحثي اكتشفت أمورا مدهشة كانت تحدث في العالم الموازي. وكنت ممتلئة بالدهشة. بحثتُ عن أكثر القصص إيجابية. رفعتُ سقف توقعاتي مبكراً. ومبدئيا وجدتُ تجارب ثرية لأمهات سبقنني إلى هذا واطمئن قلبي.

قرأت قصة ولادة كيلي لطفلتها نيلي (قصتها مشهورة على نطاق مجتمع متلازمة داون لأنها تمثّل الأكثرية التي واجهت صعوبة في تقبّل خبر متلازمة الداون فور إبلاغهم ). قرأت قصص كثيرة مشابهة ثم عرفت كم كنا محظوظين.

محظوظين أننا علمنا بعد وفاة أختها. بعد أن علمنا أن لديها ثقبا في القلب سيستلزم عملية قلب مفتوح خلال أشهر. أن رئتيها ليستا مستعدتين كما يجب. بعد أن حملتها وتأملتُ وجهها وإلتقطتُ الصور لها. بعد أن علمنا أن إقامتها في عناية الخدج ستستمر طويلا. لمئة وتسع وثلاثين يوما في المستشفى. أربعة أشهر و17 يوما. حتى عادت إلى المنزل بجهاز الأكسجين ليساعدها على التنفس.

كل هذا جعل من خبر متلازمة داون أسخف .. أسخف ما حدث.010d8467-eccf-4e98-9587-3050ed7b50dd


استدركتُ وأنا أقرأ بوح كثير من الأمهات كم صعقهن وآلمهن الخبر. كنت أقرأ عن حزنهن العميق وأتفهّم سببه لكنني كنت في تناحة شعورية استمرت عدة أسابيع حتى أدركت العامل المشترك. وهو أنهن جميعا أنجبن أطفالاً لديهم متلازمة داون ولكن بصحة جيدة. لم يكن هناك شيء يشتت تفكيرهم عن كلمتي (متلازمة دوان). شيءٌ يهدد حياة أطفالهن مثلا. لذا كان التركيز على الشيء الوحيد الذي جاء .. مختلفا. ولابد أن ذلك مخيفٌ وصعبٌ جدا.

نحن كان لدينا مُزن. النعمة التي ذكرتنا بجميع النعم.


خلال الأربعة أشهر تعرفت في حضانة المستشفى إلى ثلاث عوائل عربية استقبلت مولودا من أطفال المتلازمة. وهالني أن الذي أخاف أمهات الغرب كان أيضا موجودا لدينا نحن المسلمين. أننا مثلا نخاف أن يشذّ شكل أطفالنا عن معايير الجمال والكيوت في مجتمعاتنا. أنا آسفة أنني سأتطرق لهذا لكنني رأيت في نصف عام ما لم أره في ثلاثين عاما من عمري: ثقافة التقبل لطفل صُنف أن له احتياجات خاصة.

  • لدينا معلومات وأحاسيس مغلوطة تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة. لدينا الكثير من الشفقة والقليل من التفهم المترجم إلى أفعال.
  • نحب السؤال عن الأسباب التي أدت إلى إعاقة طفل ما ونريد أجوبة نظن أنها ستقنعنا أكثر. بالمناسبة حتى الآن توصّل العلم فقط إلى كيف تحدث متلازمة داون وليس إلى لماذا تحدث. لم يُعرف بعد ما هو السبب المشترك. قد تسأل الأم نفسها ماذا فعلت خلال حملي؟ ماذا فعلت قبله؟ ماذا فعلتُ في حياتي لأستحق هذا؟ ويسأل الأب أسئلة موازية وإن لم يكونا على وعي لما يدور في دواخلهم ونوعية ردود الأفعال من حولهم ..فهنالك تأثير عميق لذلك عليهم وكيف ستسير الأمور بعد استقرار الوضع والتعود عليه.
  • بسبب النقطة السابقة استبقت الأمور وخلال بحثي علمت كيف ستؤثر ردات فعلي بعد ظهور نتيجة الفحص على ما سيحدث لاحقا. إحدى الأمهات قالت “استغرقت شهورا في البكاء على حال طفلي وعشت كثيرا من السيناريوهات الحزينة مسبقا مما زاد من حدة اكتئابي ورآني كثير من الأهل والأصدقاء على هذه الحال. ثم حين صفا الجو وأحببت كل تفاصيل طفلي وتقبلت حياتنا الجديدة كأسرة ذوي احتياجات خاصة فوجئت حين بدأتُ أشعر بشفقة أهلي وأصدقائي تجاه طفلي استنادا على ردة فعلي في شهوره الأولى. تقول أتمنى لو أستطيع العودة للوراء لأخفف من نفسي وهول الخبر. أننا بعد عام سنكون كأي عائلة تحتفل بكل ما استطاع طفلهم القيام به مؤخرا”. لذا حين أبلغتُ أحبابي عن تشخيص سارة  استبقتُ الكلمات التي تصب في عقولنا بعد أي خبر كبير ” هي مش ابتلاء ولا اختبار .. هي نعمة وهدية وموعودين معاها بحياة حلوة بإذن الله”.
  • كن أنت الفعل ودع ردات الفعل للآخرين.e3a68c9f-7f5d-4786-90e2-edf1cf809e29
  • تأكد من المعلومات التي تعرفها عن المتلازمة. إحدى الممرضات شعرت بأن عليها أن تخبرني بأن طفلتي لن تعيش حياة مستقلة. تخيل لو قيل لي هذا قبل أن أشاهد هذه الفتاة تقود سيارتها حول البلدة. أو تصنع فنا تستقبله المعارض أو تعمل في وظيفة كهذه. أو تلتحق بالجامعة .. أو حتى تتزوج. ثم عندما أخبرتني ممرضة أخرى بأن أعمارهم قصيرة أجبتها بأنني لو لم أكن أماً لطفلة سليمة متوفية لصدقتها. وكل شخص أخبرني شيئا كان لديه شيءٌ يستند عليه. فابحث أنت عما تستند إليه. ابحث عن الممكن وارفع سقف توقعاتك.
  • لذا لا يعني كون الشخص يلبس البياض ويعمل بالمستشفى أنه يعي ماهية حياة طفل متلازمة داون. ابحث عمن يعيش معه. هناك ستسرُّك التفاصيل التي تريد.79a3f100-4b89-408e-a7b0-0b8e757b5d01
  •  lose the pity  العائلات التي لديها فرد من ذوي الاحتياجات الخاصة ليست بالضرورة عائلات حزينة. تحرر من مشاعر الشفقة تجاه طفلك. هذا الشعور ربما يدفعك لأن تخبئ طفلك بعيدا عن الآخرين. أنت لست مسؤولا عن إعاقته أو إعاقة المجتمع. لكنك مسؤول عن تغيير رؤيتك لقدرات طفلك. مسؤول عن السماح له بأن يغيّر نظرة أحدٍ ما تجاه المتلازمة.
  • حرصت على تصوير سارة في الحضانة وفي البيت، صور جميلة ومحببة إلى قلبي. جعلني ذلك سعيدة جدا وأنا أشارك صورها بين أحبابي وأخلق لها جمهورها الخاص ههه. فـ هم القرية التي تلزم لرعاية أي طفل. أحب أن أشارك قصتها لأني بذلك أمرر الجميل الذي ساعدني في بداية الأمر. فقصتها ليست حزينة. 83499625-8e35-4a1b-8376-d2060ce9f304
  • لا تقارن لا تقارن لا تقارن. طفلتي كونها خدج فهي لا تُقارن إلا بنفسها. سارة أساسا ستفوز في كل مرة أسرد قصة حياتها ههه. لكن لم المثالية؟ قارنت ركلاتها بركلات أختها وكرهت أني عرفت الفرق. هذا العام بين الأهل والأصدقاء وُلد أربعة أطفال آخرين. ربما سيسبقونها في أمور بديهية وربما لا يهم. حقا لا يهم لأن طفلتي لن تقارن نفسها بأحد في هذا العمر. نحن الذين نقارن ونحسن الظن أو غيره في هذه الأمور. إنجازاتُ طفل ما هل هي حقا إنجازاتٌ لذويه؟ حسنا .. لنجرب العكس: خيبات أملهم هل هي خيباته الشخصية؟ لا أظن. لذا افصل ما تتوقعه عما سيفعله طفلك.
  • اذا كنت تعرف أحد أفراد متلازمة الداون البالغين فلا تقس حياة طفلك المستقبلية حسب ما رأيت. اليوم وأكثر من أي وقت مضى يتمتع أطفالنا بفرص أكبر ولهم حقوق يعيها المجتمع أكثر وأكثر. أنت محظوظ لو كان لديك قريب تعرفه على طفلك. سمعت بأن هناك ارتباطا معنويا من نوع ما.
  • لا تتحسس من أي شخص لازال يستخدم لفظ ‘منغولي’ للإشارة إلى طفلك. أنت بنفسك قد تضطر لإستخدامه أمام كبار السن أو الكثيرين الذين لم يعلموا حقا بوجود مسمىً آخر للمتلازمة. عرّفهم من خلالك على اللفظ الأمثل واشرح لهم ما تريد. وأتمنى ألا يسبق اسم المتلازمة اسم طفلتي بالمستقبل. مثلما لا يسبق اسم مرض السكري أسماء مرضاه. هو مبدأ بسيط وسيرى الآخرون ما تراه من أشياء أخرى في طفلك.
  • ستنسى كثيرا أن طفلك لديه متلازمة داون.ستغرق في تفاصيله الجميلة وتدهشك شخصيته يوما بعد يوم. سارة تفعل أشياء كثيرة لا تتعلق بمتلازمتها أو بوضعها الصحي. القصة أوسع من جانب شخص يعيش معها.4c7a6e2f-864d-4900-a673-c3600ab92469
  • يخفى على الكثيرين أن الطفل حينما تستمر حالته الصحية لفترة طويلة حياة أهله ستتسم بالفوضى في البداية لكن الله يمدهم بالصبر والقوة وشيئا فشيئا يصبح لديهم روتين ونمط حياة تتضمن هذا الطفل لكن لا تتوقف عليه. الحياة لا تتوقف. الممرضات كانوا ينصحونني بأن أخرج وأتمشى على البحر عندما ترددنا على المستشفى لشهور. كان الترويح عن النفس ضروريا لأن هذا الطفل يحتاج من يتعامل معه بنفسية حلوة .. نفسية تستمد قوتها وتبسمها من مصادر الحياة المختلفة. الطفل لن يستفيد من وجود أهل مرهقين نفسيا وجسديا.
  • التغذية الروحية والفكرية: تابعت حسابات كثيرة تهتم بأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، عربية وأجنبية، نوّعت بالفئات العمرية كي أستفيد من نواحي مختلفة. أتابع في الانستجرام من هم في عمر سارة وأكبر وأحب شعوري عندما أرى أطفالهم يضحكون أمامي والأهل يحتفلون بهذا الانجاز أو ذاك.. والأهم شعوري المتجدد بأن أطفالنا طبيعيون. مختلفون ولكن طبيعيون. أحب الأمل الذي أجده في تجارب غيري. أحب كيف تتغير/أصحح أفكاري. 166e7d04-96b2-40b1-8e97-224eb2048eb5

أدرك كم اختلفت تجربتي عن الكثيرين، أتذكر الوقت الذي أمضيته في المستشفى وذلك الحزن الذي غلّف قلوب الأهل آلمني: تمنيت أن نبارك للأم طفلها ذو الاحتياجات الخاصة، أن يهوّن عليهم أفراد عائلاتهم قولا وعملا، أن يبتسم الطبيب وهو يقص عليهم الخبر. ألاّ يُفسد الخبر فرحة وصوله –  بخير – للحياة. تمنيت ألا يُكسر قلب أم لأن طفلها اختلف قليلا أو كثيرا عن البقية، أن الطفل هذا صُنعت تفاصيل أيامه الأولى وسنواته اللاحقة بحب .. بفرح ..وبشكل لن يختلف عن إخوته وأقرانه. تمنيت أن نشير إلى آلاف الأشياء التي تؤكد جمال حياته وأهميتها وكم سيكون سعيدا ونرى فيه ذريةً صالحة .. أقول تمنيت وأقف هنا:

ألف مبروك. ستقعين في حب هذا الطفل خلال أيام لو لم يكن منذ اللحظات الأولى. هذا الطفل سيجعل منك إنسانا أفضل. هذا الطفل تستحقين حبه وكل الأشياء الجميلة التي ستحدث وتدخل إلى قلبك الدهشة والرحمة والكثير من الشكر والإمتنان. هذا الطفل جاء بسلام وهذا الأهم. فكري كيف ستسعدينه وأنت تساعدينه. اسمحي لنفسك بأن تحبّيه أضعاف الحب الذي خِلتِه ممكنا. ألف مبروك.

هذا الخطاب كان دفعة معنوية جميلة وصلني من ابنة خالي .. لـ كارن جافني تتحدث فيه عن متلازمة داون (للترجمة العربية  اختر من cc):

Advertisements

2 thoughts on “عن ابنتي سارة ومتلازمة داون

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s