إني جاعلٌ في الأرض خليفة

20131102-181313.jpg

هنالك شعور يصاحب اللحظة التي أفتح فيها أول صفحة في كتاب، وشعور آخر يمتد بين صفحات الكتاب وحياتي خارج صفحاته.. وشعوري الأخير بعد الانتهاء من القراءة ورسالةٌ ما قد وصلت إلي .. أخيرا!

تصلني رسائل وبرودكاست وأشياء يهمّها جدًا أن أقرأ القرآن ولا أهجره. محتواها جميل لكن الفكرة ينقصها العمق الذي تستشعره القلوب وتعقله العقول.

كتاب باللغة العربية قد لا يعني شيئًا لمن لا يتحدث اللغة ولا يفهمها. ذات الكتاب قد لا يعني شيئًا لمن يتحدث اللغة ويفهمها. يشبه الأمر شعوري حين تفقد قصيدة عباسية بمطلعٍ جميل معناها لأنني بدأت لا أفهم بضع كلماتٍ فيها فيضيع مني المعنى ويضيع مني الشعور بجمالها.

ماذا لو بحثت عن تتمة المعنى؟ جمال القصيدة سيزيد بالمعاني أم بحقيقة بحثي عنها؟

ننصح بقراءة القرآن والأمر مفروغٌ منه. نبجِّلُ حفظة القرآن وهذا خير ولكن مالذي نمرره ما بيننا؟ القراءة؟ الحفظ؟ أم الشيء اللاملموس الذي يجعلك تعود لقراءة الآية مرة بعد مرة بعد مرة وكأنك في كل مرة تقرأها لأول مرة؟ لم بقيَ القرآن بيننا؟ لم أحيانا تقرأ الآية وتمضي .. ولم أحيانا أخرى الآية ذاتها تجعلك لا تمضي للتي بعدها؟

في فترة ظننت بأن التأثر بالآيات هو غايتي. الفريد بأن الآيات التي أثرت بي لا تنفك وغيرها تأخذني لفهمٍ مختلف كل مرة. وبما أن هذا القرآن سيظل محفوظا حتى يشاء الله فمن الطبيعي أن يظل تأثير معانيه متجددا على مر الزمان.

أخبرني عن آياتٍ تحبها وترددها على نفسك وتصلي بها، وسأخبرك عن جمالٍ لا يكمن إلا في الفهم .. جمالُ السعي في الفهم هو سعي بصيرتك. لا يقدّر بثمن.

الكتاب للأستاذ عمرو خالد حجمه متوسط وفي ٢٦١ صفحة يذكر قصصا للأنبياء ويأخذ في تحليلها بشكلٍ مبسّط.

نعم درسنا قصص الأنبياء غالبًا كأحداث وتفاصيل الأحداث، لكن هل مرَّرنا الفكرة وعمق الفكرة؟ أتخيل مثلا لو أنني أُخبرت بأن عدوّي الأول لم يكن من بني آدم مثلي، أن كل المتناحرين على الأراضي والمتعصِّبين لعرق أو طائفة والمنتسبين لكل الصفات التي نكره .. ليسوا سوى موالين لأول أعدائي. بأن إبليس هو العدو الأول والأخير إلى يوم الدين.

أظننا قللّنا من شأن إبليس وذريته لدرجة أننا نسينا بأنه سوّل لنا كثيرًا مما نراه يمر بيننا – وعادي – على الأرض.

“ولكن لماذا أسكن الله آدم الجنة من قبل؟

أسكنه الجنة ليقول هذه بلدك، هذا موطنك، وسترجع وتعود إلى هنا من جديد أنت وأولادك، احلموا بمكان عودتكم. فلا تقل بلدي المنصورة أو طرابلس أو .. أو .. بل قل بلدي هو الجنة موطن أبي آدم. وبالتالي ليست المعصية هي سبب خروج آدم من الجنة. وحكاية الشجرة وإبليس والأكل منها، كانت بمثابة أمر مقدَّر من الله. وعظة لما سيأتي على سيدنا آدم في الأرض، فالشجرة المحرمة ستتكرر بعدة أشكال في الأرض.”

بمعنى أن الشجرة المحرمة مجرد رمز لمحرمات نجدها في الدنيا. وبأن قصة آدم هي قصتنا جميعا. قصة تتكرر منذ خلق آدم إلى يوم نُبعث.

يقول إبليس لله عزوجل “قال أرءيتك هذا الذي كرَّمتَ عليَّ لئن أخَّرتنِ إلى يوم القيٰمة لأحْتَنِكَنَّ ذريته إلاَّ قليلا” الإسراء  ٦٢

كلمة أحتنكن تعني وضع اللجام في فم الناقة. شعور بذيء يخليك تغسل ايديك من إبليس فعلا.

وهناك قصة النبي إبراهيم، لفت نظري بأنه رغم صغر سنه حين كلّم والده في أصنامه حدَّثه بأدب ولين. كان عمره في الرابعة عشرة أي في المراهقة ويدعو أباه برفق واحترام وبأدب كـ ردِّه على أبيه حين “قال أراغبٌ أنت عن ءالهتي يإبراهيم لئن لم تنته لأرجُمنَّكَ واهجرني مليًّا” بـ : “قال سلٰمٌ عليكَ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًّا” مريم  ٤٦-٤٧

ودرس آخر في التسليم التام، حين يذكر الكتاب قصة إلقاء ابراهيم في النار وصدق كلمته “حسبي الله ونعم الوكيل” التي بأمر الله جعلت النار بردًا وسلاما.

حسبنا الله ونعم الوكيل قالها كذلك نبي الله موسى حين خاف قومه وظنوا بأن فرعون وجنده قد أدركوهم فانفلق البحر نصفين.

وقبيلة جُرهم التي نزحت بعد انهيار سد مأرب ووجدت الطير تحوم فوق مكان ماء زمزم. والسيدة هاجر وابنها اسماعيل هناك. القبيلة كانت من أعرق القبائل العربية ومنها تعلّم سيدنا اسماعيل وتربى وتزوج وجاء من نسله خاتم الأنبياء محمد.

ظننت بأن القصة بدأت بتسليم نبينا إبراهيم لأمر الله بتركه زوجته وابنه الرضيع وسط الصحراء، ظننت ولكن يبدو بأنني لم أكن قد وعيتُ بأن حكمة الله ماضية قبل كل شيء وفي كل شيء. لحظة التسليم والتوكل على الله ربما لم يعلم نبينا ابراهيم بتدبير الله وحكمته. اليوم وبعد آلاف السنين أنا وأنت نعلم بأن القصة حدث فيها كذا وكذا .. بأن سدًا انهار ونزحت قبائل ودبر الله لعبدٍ توكل عليه أحكم تدبير. اليوم تعرف حكمة ما حدث .. طيب إذا أنا سلَّمتُ بالأمر الآن لا يهم متى أعرف صح؟

أتمنى لو أنني أعرف سبيلاً لتمرير قوة مبدأ أو فكرة أو شعور عميق يعنيني. طريقة أخرى غير الكلام والشرح أو ضرب الأمثلة. أتمنى أن أقول “عشان الله” ويبدو كلامي طبيعيا وفي سياق الحياة الطبيعية . كـ سبب خالٍ من أي سبب.

أقول أتمنى وأتذكر حديثًا ذُكر في الكتاب “المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يُخالطهم ولا يؤذونه”. وأتذكر بأنني لحظتها فكّرت ريييلي؟! ولم أفهم حينها. لكن بعد بضعة أيام سمعت الداعية مصطفى حسني يذكر الحديث ضمن كلامه عن معيقات تطوّر الذكاء الاجتماعي العاطفي، ذكر منها صفة الانطواء إلى جانب الكبر والغرور ثم الجمود.

ندعو الله أن يجعلنا من عباده الصالحين، وننسى أن الصالح صالحٌ لنفسه غالبًا. كمن يخبرني بأنه مؤمن وأفكر أنا بداخلي بأن طيب إيمانك لنفسك. ويخبرني بأنه صالح وبرضو أفكر صلاحك لنفسك، أو كم هو صادق وأتساءل لم نقول أشياء تحتاج وقتًا وجهدا لتظهر؟!

قصة آل عمران فهّمتني كذا شي، أولا بأن صلاح الفرد إذا اقترن بفعل الإصلاح حقق الخير العظيم. زوجة عمران وعائلتها كانوا من القلة الباقية من مؤمني بني اسرائيل، في وقت انصرف قومها فيه عن الدين وغرقوا في الماديات والفساد أرادت هي الإصلاح ولأنها امرأة عجوز أدركت بأن إصلاح قومها يحتاج قوة شباب وجيلاً جديدا ينهض بالأمة. لذا دعت وزوجها الله بصدق أن يرزقهم ولدا صالحا يصلح ما فسد في زمانهم! ترى مالفساد الذي كان منتشرا حينها؟ مالذي يدفع زوجين كبيرين في السن إلى السعي للإصلاح؟

أصدق مين بعد اليوم اللي يقول لي بأن الحمل والإنجاب تحصيل حاصل؟ أو قدر مكتوب لمجرد التكاثر، أو حلم أبوة وأمومة ومشاعر شخصية والموضوع عند آل عمران كان أكبر وأعمق من أي هدف شخصي!

يعني الفرق بين فلان خلّف وفلان اللي خلّف ما ماتش كان بالنية.

يالله! كل عمل تصلحه أو تفسده النية. واللي ظل من غير نية معقولة يبقى له معنى؟

“إني جاعلٌ في الأرض خليفة”.

خليفة مش سبهليلة.

الكتاب سرد مبسّط بأسلوب عمرو خالد الخطابي، محبب عاطفي بأجمله وأدّى المطلوب من كتاب يحمل عنوان يشجعني وغيري نعيش حياة مش سبهليلة.

ويا رب اجعلنا من عبادك الصالحين المُصلحين.

Advertisements

One thought on “إني جاعلٌ في الأرض خليفة

  1. مرحبا ياجميلة 🙂 قمت بجولة صغيرة في المدونة، ممتعة ماشاء الله وتعكس شخصيتك المميزة. لاتتوقفي عن التدوين.. وإن كان الكسل ينوي الاستقرار أكتبي له عن فوائد السفر السبعة ليتعجّل الرحيل 🙂

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s