شكرًا لأنك رأيتَ فيني كل الحقيقة

في هذا المقطع المُلهم جيماماندا أديتشي روائية نيجيرية تحكي عن القصة الواحدة/النظرة الأحادية وخطورتها. حديثها مُلهم وظريف وممتع وشكرًا لأفكار تيد التي تستحق الانتشار.

حديثها هذا لم يمر عليّ مرور الكرام. أنا أيضًا أنتمي لبلد أفريقي يعرف عنه العالم قصة واحدة. هل تستطيع مقاومة الفكرة الأولى لو نلعب لعبة الكلمة والفكرة المصاحبة. اللعبة سريعة .. سأذكر لك اسم بلد وستخبرني بسرعة مالفكرة التي خطرت ببالك أول ما سمعته.
الصومال.
السودان.
فلسطين.
اليمن.
السعودية.
هل أحتاج أن أذكر بلدانًا أكثر؟ أرأيت ما أعني؟
أخبرني إذًا .. فكرتك الأولى مالذي وضعها هناك .. في عقلك؟!.

الصومال بلدي، قبل عام كانت لديّ عنها قصة واحدة. تتلخَّص في كونه بلدًا أفريقيًا يعيش حروبا ونزاعات أهلية وشعبه تحت خط الفقر بكثير.

ثم أتيت هنا. عشت فيها عامًا وأضفتُ قصصًا أخرى لقصتي الأولى. نظرتي الأولى. عرفت بأنه من العدل أن أضيف باقي الحقيقة إلى الحقيقة الوحيدة المنتشرة.

أساسًا لِمَ تنتشر الحقيقة السلبية – وهي حقًا كذلك – و تبقى باقي الحقائق تنتظر من هم مثلي لـ يزوروا البلد ويقرروا بأنفسهم الحقيقة التي تناسبهم؟!

أضفتُ لقصتي التفاصيل التالية:
الجو في الصومال جميل، وطبيعتها كذلك. البلد تنعم بجو معتدل نسبيا وحين تُمطر السماء يحيا فيها كل شيء، الجميع هنا يقدِّرون نعمة الماء. ماء المطر يجمعونه للاستفادة منه لاحقًا. المدارس منتشرة في هرجيسا، الروضة التي عملت فيها كمدرسة أحيت فيني أملاً كبيرًا ف الناس تتعلّم و ترسل أبناءها للمدارس في الصباح وترسلهم للتحفيظ عصرًا. ليس كلُّ من قابلتهم يحلمون بالهرب من البلد وأوضاع البلد. و رغم القات وآثار القات فـ الناس تعمل، كثيرون يجتهدون وينجحون. فـ غُضَّ النظر عن من لا يريد العمل فلا يعمل. ولقمة العيش فيها مهمة كما في سائر الأرض. قابلتُ من كانت تضحك وهي تخبرني بأنها فقدت البصر منذ اسبوع في عينها اليمنى. وتلكَ التي حاولت أن تشرح لي بأنها لأول مرة عرفت مذاقَ شيء شبَّهتهُ لي بالباستا ..ولشدة وصفها الجميل لم أعرف إلا لاحقًا بأن ما ذاقته كان الأندومي. قابلتُ فيها المتسوِّل الذي ارتجلَ أبياتا من الشعر فأضحكني. قابلتُ الجدة التي جلستُ بجوارها في الباص والتي حين سمعت رجلًا يقلل من شأن النساء أخذت تغني أغنية قديمة عن حال تعامل الرجال والنساء في الماضي. الماضي الذي يشيرُ إليه الغالبية بأنه كان أجمل. وجدتُ نفسي في مواقف إنسانية أنستني البحث عن ‘الفروقات السبع’ لأنه لا يوجد فرق. عشتُ لحظات تأمُّلية. واكتشفتُ بأن السعادة تعرف طريقها لأي بلد. مهما كان وأينما كان. وآياتُ الله تتجلى في كلِّ حين. و لـ باب الخيرِ من يفتحه ولبابِ الشر كذلك من يطرقه. وبأن لا ثابت في الحياة سوى رحمة الله علينا.

بالنسبة لي .. الجوع ليس قصة الصومال الوحيدة.

منذ أيام كان أحدهم ينتقد فرح الفلسطينيين بفوز شاب فلسطيني بمسابقة غنائية بأن هذا لن يحرر فلسطين من أيدي اليهود. فجاءه رد أعادني إلى قوقعتي “وهل شعب فلسطين مسموحٌ له فقط أن يحمل السلاح ويحارب؟ ألا يفرح؟ ألا يحتفل؟!”.

فلسطين حقك علينا. فعلاً نسينا.

لي مدة أفكر في القصص الوحيدة التي أعرفها. أُلخِّص معتقداتي وأحاول ألاّ أُلقي باللوم وألّا أحقد على مصدرها. و قادني التفكير إلى فهمي للإسلام. هل فهمته بشكلٍ صحيح؟ ومالمعنى الحقيقي وراء الإسلام؟.

ولو لم أكن مسلمة فماذا ستكون أول أفكاري – غير المتأثرة بغيري- عنه؟

سؤالٌ لا يجدي أعلم. لكني وجدت بأن السؤال التالي طمأن قلبي: “كوني مسلمة .. مالفكرة التي أريدها أن تقودني للإسلام من جديد؟”

سوف يحملك البحث عن الحقيقة إلى الكثير من الصمت، الكثير من الهدوء. الكثير من الاستيعاب البطيء. والقراءة والتبحُّر في أفكار الكثيرين.

منذ قليل قرأت مقالين للأخ البشير عبدالسلام البكاري، المقال الأول بعنوان “حين تبتدأ حكاية الإسلام من ثانيا” يتأمَّل في الإقتباس أدناه للشاعر مريد  البرغوثي والذي ذكرته جيماماندا في سياق حديثها:

من السهل طمس الحقيقة بحيلة لغوية بسيطة: ابدأ حكايتك من (ثانيا)! نعم. هذا ما فعله رابين بكل بساطه. لقد أهمل الحديث عما جرى أولا.
ويكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيا) حتى ينقلب العالم.
يكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيا) حتى تصبح سهام الهنود الحمر هى المجرمة الأصيلة، وبنادق البيض هى الضحية الكاملة!
يكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيا) حتى يصبح غضب السود على الرجل الأبيض هو الفعل الوحشي!
يكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيا) حتى يصبح غاندي هو المسؤل عن مآسي البريطانيين! يكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيا) حتى يصبح الفيتنامي المحروق هو الذي أساء إلى إنسانية النابالم!

والمقال الثاني وهو ما أدركته عن بعض ما جرى لنا بخصوص فِهمنا للإسلام. و قد صاغه الأخ البشير بشمولية تستحق التفكُّر والاهتمام دون إنحياز. ف شكرًا له.

تستحق الحقيقة أن تبحثَ عنها. وتستحق أنت أن تعرف، أن تكتملَ لديكَ القصص.

Advertisements

2 thoughts on “شكرًا لأنك رأيتَ فيني كل الحقيقة

  1. لمحتُ صورةَ هذه السيّدة كثيرًا في المرّات الّتي كنت أشاهد فيها مقاطع مختلفة لتيد لكن اختياركِ لهذا المقطع شجعني على مشاهدته وسعيدة لأنني فعلت ذلك. دعيني أقول لكِ حكايتي، أحبّ الشام بالفطرة منذ طفولتي ولا أتذكر أنني كنت أملك أسباب واضحة سوى أنني وجدتُ في أبناءها الكثير من الجمال، وبأهل الشام أقصد امتدادها القديم “سوريا ولبنان والأردن وفلسطين”. ثلاث أرباع أصدقائي طُول حياتي كانوا من فلسطين رغم هذا لم أستطع التخلّص من الصورة النمطيّة الّتي ظلّ تركزها نشرة الأخبار في مخيّلتي أن فلسطين هي بلد الحرب والموت، كنت أظنّ أن أصدقائي مجرد نماذج مختلفة لأنّهم خارج كل مايحدث وربما هنّ كذلك كانوا بطريقة ما يتبنون ذات الرؤية لأسباب مختلفة.
    حتّى تعرفت على صديقة من داخل فلسطين! من القدس بالتحديد، ثمّ أصبحنا أصدقاء ولا أدري كيف لي أن أحكي لكِ كيف أرتني هذه الفتاة دون أن تكثر الكلام كيف أنّ الحياة تنبض من هناك، من قلب فلسطين -رغم أنّي لم أصارحها يومًا بإنطباعيّ الأولي- لكنها لم تكن السبب الرئيسي في موت فكرتي تلك بل عملٌ أدبي! نعم كما قالت جيماماندا الأدب يستطيع أن يقدم حكاية مختلفة والصدفة المدهشة أنّ ذات من منحني هذه الصدمة أو ربما يجدر بي أن أسميها الهديّة هو ذات من استشهدت به الشاعر الاديب مُريد البرغوثي في روايته رأيت رام الله، رأيتُ فيه إنسانًا وفي فلسطين قصةً أخرى سوى الموت، هذا فقط نزرٌ يسير من أثر هذه الرواية عليّ.
    مع ذلك لازالت هُناك صورة أخرى باقية، فأنتِ مثلًا أريتني صومالًا آخر غير الذي أعرف تاريخه السياسيّ وأشاهد ما يحدث فيه عبر شاشة الأخبار. كلّ هذا يدفعُ المرء ليحدث غربلةً كاملة.
    تذكرّت التويتة الطريفة الّتي كتبها حجّي جابر الصحفيّ مؤلف رواية سمراويت حين قال فيما معناه نعم أنا ارتريّ وأتحدث العربيّة بطلاقة! وهو الذي بعمله الأدبي حاول أن يقول حكايته.
    برأيي كل الفنانين، بكافّة صنوف الفن في الكتابة شعرَا ونثرًا وفي الرسم والتصوير وكافّة أشكال الفن يمنحون القصّة بعدًا آخر ويمنحون العالم فرصة ليكتشف ما يجهله عن الآخر. أنا نفسي أسعى لإكتشاف هويّتي الّتي تتقسم في مناطق عدّة ما بين جوازٍ أحلمه وأرض استوطنها أجدادي بعد هجرتهم من أرضين، عبر الأدبّ والفنّ والتاريخ لأرى واقرأ حكاية من بعدٍ غير مسطّح يقرّبني من الإنسان. نُحاول أن نتغلّب على ضعفنا وعلى هوسنا في الحكم على الآخر وريبتنا منه ولو فشلنا مرارًا وعلى رأسهم أنا.

    شكرًا على هذا الجمال الذي يمنحنا فرصة لأن نتحسس إنسانيّتنا. 🙂 أرسلت لكِ رسالة قبل فترة طويلة وأتمنّى أن تكوني قد قرأتيها. احترامي ومودتي.

    Like

    • سعيدة أيما سعادة بمشاركتكِ لي حكايتك بكل تفاصليها يا رحاب =)) تعرفين أظننا نطمئن إلى القصة الواحدة لأنها أبسط وأوضح كأنها حقيقة مسلَّم بها ربما؟ .. كأننا نسأل عنها فقط حين تُظلم قصصنا الشخصية .. أو هكذا يبدوا لي.
      فلسطين أولى تصوراتي عنها كانت من خلال صديقات رائعات بأنها تحب الحياة والحياة تحبها .. أو كما قلتِ تنبض منها الحياة. و الحمدلله بأننا نقابل يوميا من يوفّر لنا القصص الأجمل عن كل شيء. وكم نحن بحاجة إليهم .. سيتغيّر الكون لو أنصتنا لقصص الآخرين قبل الحكم العابر عليهم.

      بالنسبة لرواية “رام الله” فسأقرؤها ما أن أجد فرصة لإقتنائها .. قريبا جدا بإذن الله. وكذلك سمراويت زكّاها لي كثيرون أثق بذائقتهم الأدبية .. وطبعا لأن الفضول يملأني لأعرف أكثر عن ارتريا.

      صدقتِ لا تهم البلدان بقدرِ الانسان ❤

      بقيَ أن أشكرك على جمال رسالتك، لا تعرفين كم تعني لك رسالة تأتيني منكِ أنتِ بالذات. أخذت بعض الوقت لأستوعب بأنك ذات الرحاب التي كنت أنبهر بها بالريدر وأعملها شيييير كمان ههههه :$

      جد والله .. لك مودة بالقلب وإمتنان كبيير .. وشكرا للمساحة الصغيرة اللي جمعتنا هنا

      Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s