اليوم الثالث : أن يبقى العمر

كنتُ طفلة تنحة. وبالتناحة أعني أنني كنتُ أعيشُ داخل عالم في رأسي تُعيدُني منهُ أصواتُ من حولي؛ من أمي/أبي/المعلّمة أو بوق الباص. أتذكّر تناحتي الآن و أبتسم. أقربُ كلمة تصِفُ حالتي آنذاك هي “مُغيّبَة” هههه. هيئتي الخارجية و ردات فعلي غير المستعجلة كانت توحي بـ مشاكل قيد الإعداد. لكن مشكلتي الوحيدة كانت في إقناعهم بأنني فعلاً أفهم. إلاّ أنني و لسببٍ يخفى حتى عليّ لا أريدُ إظهار ذلك :$ كنت كـ جميع الأطفال أُسأل في بداية كل عام دراسي : ماذا تريدين أن تصبحي حين تكبرين؟ و كان من الضروري جداً أن أحشرَ إسم مهنة. و يجب أن تكون لائقة بـ فتاة و لائقة بالمتعارف عليه .. و أنا كنت أُعاند محدودية الأجوبة و أتأفأف .. كأنني أقول: لمّا يتولد نبقى نسميه! فـ كلّ ما أردته منذ الصغر هو أن أكبر. ليس حجماَ ولا طولاً بل عمراً. أن يزيدَ عمري و يُسمح لي بالتفلسف. في عمر العاشرة ضقتُ ذرعاً بالمرحلة الإبتدائية و بالمرحلة المتوسطة حلمتُ بـ سن السادسة عشرة و سخف المراهقة و أنواع المغامرة. وصلتُ ذاك العمر و اكتشفتُ بعضاً من نفسي. إستقليّت بنفسي. أصبح لي إسمٌ مستعار بين الصديقات و مسلسل مفضّل و هواية أنمّيها و مواد دراسية أفلحُ فيها و هَبَل أُعرَفُ به. كنتُ أنغمس بالعمر الجديد والحُلّة الجديدة التي أرى بها العالم. في السابعة عشرة قررت إنني بعد عام سأسكن وحدي. و في الثامنة عشرة إستجاب القدر و اغتربتُ و سكنتُ وحدي. و هناك عرفتُ لمَ حلمتُ بأن أكبر؛ لِمَ إختصرتُ كل الأحلام في كلمتين عاديتين فـ كلّنا نكبر. لأنني حين كبرت قليلاً فهمتُ لِمَ همومي الصغيرة لا تُذكر. لِمَ أخطائي تُنسى فورَ أن تتصلّح. ولِمَ وقوفاً بهذا العمر أستجمعُ شجاعتي وأواجه خوفي. أن أكبر يعني فرصاً جديدة ستأتي. دروساً عظيمة أتعلّمُها. مواقف لئيمة و أخرى بريئة. يعني أفكاراً تنتقلُ إليّ بـ فضلٍ من الله. و أخرى أنقُلها و أتحمّل مسؤوليتها. مسؤولية؟ أن أكبر يعني أن أتحمّل مسؤولية وجودي بينكم و أُأدّي دوراً يليقُ بما أنعم الله عليّ من نِعَم. أن أتعوّذ من السخفِ و من أن يُصبحَ دمّي كاتشباً – ثقيلاً – و أبحث عن الفائدة تقريباً في كل شيء. ولا أخجل من مشاعري الطفولية . أن العمر هو عمر القلب و الروح و العقل . و أن أتجمّل بـ عقليَ الملوّن في كل مناسبة ولا أنسى إنسانيتي وتشابه/إختلاف البشر. ولو أنني بدأتُ بالنوايا البيضاء فالطريق الطويل أجمل. و لازلتُ والله أبحثُ في لِمَ فقط أودُّ أن أُذكرَ بالخير و الضحكة و احم الهَبَل.

Advertisements

4 thoughts on “اليوم الثالث : أن يبقى العمر

  1. هـ ـه .. أطلقتها بعد أن انتهيت من قراءتك بنفس واحد .. كبرتِ يا بي* ؟ متى كبرت وقلبك الطفل مازال بريئاً في حكيه في ضحكاته في هبله هههه .. استمتعت جداً بقراءة هذا النص .. كأنك مسكت كفي وبدأت في رسم خطوط ونقاط مهمة وفهمت القصة .. وننتظر قصة اليوم القصيرة < مزاج تنغيص اليوم

    Like

    • ههههههه من جد حتى أنا مزاجي تنغيص اليوم 😀
      أتمنى من كل قلبي أن أكبر في السن و في ذات الوقت أحتفظ بمشاعر الطفولة و بساطتها لا أظنني سأطيق الحياة من دونها :$
      فاطمة ترا التجربة للحين أووووسم ع قولتك ههههه

      Like

  2. Pingback: الطريق المُشرقُ قريبٌ من هنا .. | بـــي

  3. Pingback: The Good Things You Do | Bealieve

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s